البوابةالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
»  أصول الدواعش!
الأربعاء مارس 18, 2015 11:14 am من طرف جلال

» قراءة فى أم الكتاب
السبت يناير 03, 2015 9:23 am من طرف جلال

» دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية للدكتور عبد المجيد النجار
الخميس يونيو 20, 2013 7:39 pm من طرف جلال

» أحبّك حبّين لرابعة العدوية
الجمعة أبريل 26, 2013 7:26 pm من طرف جلال

» الدنيا
السبت نوفمبر 03, 2012 7:06 pm من طرف جلال

» جامعة الزيتونة إلى أين؟
الخميس أكتوبر 18, 2012 8:02 am من طرف جلال

» هذا هو الشهيد سيد قطب
الأربعاء مايو 30, 2012 1:38 pm من طرف جلال

» دراسة ( السم بالدسم ) - قراءة فى فكر اللعين جون لافين - الكاتب / طارق فايز العجاوى
الخميس مايو 24, 2012 9:14 pm من طرف طارق فايز العجاوى

» دراسة ( السم بالدسم ) - قراءة فى فكر اللعين جون لافين - الكاتب / طارق فايز العجاوى
الخميس مايو 24, 2012 9:14 pm من طرف طارق فايز العجاوى

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
جلال - 361
 
KHAOLA - 27
 
عبد الله - 14
 
كمال بوهلال - 10
 
samira rabaaoui - 9
 
ghada_kerkeni - 9
 
souma - 6
 
طارق فايز العجاوى - 5
 
mehdi - 4
 
ياسين - 3
 

المعرفة للجميع

 » قراءة في كتاب «نوادر البخلاء»
أمس في 19:04 من طرف نادية

» سطور حول نوادر الجاحظ
أمس في 18:59 من طرف نادية

» فروض تأليفية للإنجاز والإصلاح حول المبحث2
أمس في 1:38 من طرف كمال بوهلال

» الإنسان بين الشهادة و الغيب
أمس في 0:31 من طرف كمال بوهلال

» الغيب و معني الحياة
أمس في 0:26 من طرف كمال بوهلال

» مفهوم الزمن في القرآن الكريم
أمس في 0:20 من طرف كمال بوهلال
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 6 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 6 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 84 بتاريخ الأربعاء أغسطس 09, 2017 10:41 pm
رسول الله


شاطر | 
 

 جامعة الزيتونة إلى أين؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جلال
Admin
avatar

عدد الرسائل : 361
الموقع : تونس
تاريخ التسجيل : 27/05/2008

مُساهمةموضوع: جامعة الزيتونة إلى أين؟   الخميس أكتوبر 18, 2012 8:02 am


مقال : جريدة الصريح / تونس (الأحد 30 سبتمبر 2012، ذو القعدة 1433 – العدد 3785)
جامعة الزيتونة : سياسة الهروب إلى الأمام الدين والمصلحة زمنَ الثـوْرة
د. محمد أحمد الخضراوي رئيس قسم الشريعة جامعة الزيتونة
قلق في المدينة
تحولت جامعة الزيتونة إلى حائط مبكى حين افتقـدَت إمكانيّة العبور الاستراتيجي إلى زمن معرفيّ زاهر، فكثـُر الكلام عن نظريّة المؤامرة التي أطاحت بالوجود الفعلي لهذه المؤسسة، وعن تواصل القصف على جامعة الزيتونة من قبل النظام السابق على مدى ثلاثة وعشرين عاما. أمَـا وقد انتهت حالة التّـشويق، وانقضت مرحلة الغـزَل، فلا بد من أن نعطيَ ما لقيصر لقيصر وما للناس للناس. ونحن لا نتحفظ على نظرية المؤامرة، وإنما نتحفظ عن استعمالها كشماعة لتعليق كل هزائمنا عليها. ولو أننا نظرنا إلى أنفسنا في المرآة، لأدركنا، أن الحديث عن نظرية المؤامرة وعن الأيادي الخفيّة، يخلو في كثير من مفاصله من الدقة، ولم يكن بذلك الهول الّذي وقع التـّـرويج له وكثـُـرت المزايدات حوله. والتـّهويلُ جزء من تجارة الأزمة الّتي سادت البلادَ منذ حلّ عليها ما يسمّى بالرّبيع العربي واختلط الذّاتيّ بالموضوعي والمبدئيّ بالمصلحيّ.
والسّؤال لماذا نجح مخطـّط تجفيف الينابيع في جامعة الزيتونة بتلك السّرعة المذهلة ؟ هل هو ناتج عن عنف الدّولة أم عن قابلية العقل الزيتوني للاستعمار؟ أم عن هشاشة معرفية وبيداغوجيّة وقصور إبداعي؟ وإلاّ كيف نفسّر حصولَ الزيتونة في تصنيف شانغاي 2010 لأحسن الجامعات العالمية على المرتبة 7791 ضمن عشرة آلاف جامعة ؟ وهي مسألة تتعلق أساسا بالبحث العلمي المجرّد ولا علاقة لها بالسياسة ولا بالسياسيين ؟
لا أحد ينازع في أنّ النظام السابق كان يعتمد على الحراسة والعقاب للحفاظ على وجوده السياسي الهَـش. لذا، كان يمارس سياسة التّهميش والتغْـيـيـب والرّقابة الأمنيّة ونشر البوليس السياسي بمختلف أزيائه وفنونه التّنكّريّة: من مدارج التّعليم وقاعات التّدريس ، إلى قاعات الأساتذة وعديد المواقع والوظائف مرورا بمكاتب " المسؤولين الأكاديميين " الّذين كان يعيّـنُهم وَفـقا لخطاطة بوليسية أو لأغراض إشهاريّة، وليس لأجل كفاءة علمية أو مُقـَدّرات بيداغوجية خاصة. لهذا كان كلما اشتدّ النقد على أحدهم، يلعَن زملاءه ويستصرخُ النظامَ لأنه كان يعتقد أنه يَأوي إلى ركن شديد. لكنّ هذه الرّقابةَ البوليسية، كما كانت مفروضةً على جامعة الزّيتونة، كانت مفروضة على جميع الأجزاء الجامعيّة في مختلف مناطق القطر التّونسي. حيث لم تُخَصّص الدّولة وزيرا للدّاخليّة مكلفـّا بالزّيتونة.
وقد بات معلوما، أنّ وضْع هذه الجامعة كان برتوكوليّا خالصا وفرجويّا محضا، يغازل من خلاله نظام تونس بعض الأنظمة العربيّة ذات الثـّراء الاقتصادي. ولا شك أن المؤسسةَ الدينية كانت شركةَ إشهار وتسْويق لسياسات العهد السابق. ولهذا انتشرت فتاوى الدكاكين، وراجت تلك الأحكام الدينية الملفّـقة، والمهازلُ الإعلاميةُ المفـَبْـركةُ التي كانت تـُـفـَصَّـل على قـــدّ قياس المشاركين من قسَاوسة النظام، وكانت تبدو للناس كحديث الأرامل اللاّئي فـَـقـَدْن كلَّ سَـند وصرْن يبْحثن في مراكز الضمان الاجتماعي عن معُونات ومساعدات، لا يَصلـُهم منها إلا الفـُتات ومعه بركات النظام التي لا تـُقَـَدّر بثمن. وهذا، يدل على أن الزيتونة التي لم تكن ترد يد لامس، كانت في حالة استتباع كامل وإراديّ.
جدير بالملاحظة، أنّ النّظام السّابق اختار أن يترك الزيتونة لشأنها، ففعلت بنفسها الأفاعيلَ وانْهَمَكت في السَّمْسَرات والصَّـفَـقات، وغيَّرت الخارطةَ الأكاديمية، فلم يعُد الوضعُ الداخليُّ متماسكا. وكان ناتج ذلك، أنْ تفرّقت بها السّبل وانغمست أوحال الداخل واشتغلت بحرب داحس والغبراء (التي دامت في الجاهلية أربعين عاما لأجل سباق بين فرسين). وهكذا استفحلت فيها المفارقاتُ والسّلبيّاتُ ودبَّـت في ثناياها الفوضى- غير الخلاقة، وغابت عنها المبادراتُ العلميّةُ وانطمس فيها الفكر الاستراتيجي. وانقسمت شيَعًا وجماعات وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون.
ضمن هذا الإطار، افتقدت العلوم الدينية مرتكزاتها المعرفية وأنظمَتها العقلانيةَ وصارت نمَطا من
الفلكلور الشعبي واللباس التقليدي، فارتجّتْ بذلك وظائفـُها التي هي في الأصل، حضارةٌ وبنيةٌ وُجوديّة تهدفُ إلى تشكيل نمط حياة متكامل وصياغة واقع إنسانيّ متسام. وزاد هذا المشهدَ الجنائزيَّ بؤسا، تلك التعْـيينات الكارثيّة التي تُعتبَر في عمومها وصْمةَ عار للجامعة. لا لكونها تعيينات أمنية وعشوائية، وهي كذلك، وإنّما لكونها لا تتخيّر للمسؤولية سوى شخصيات تتميز بالعقم الفكري والعياء العلميّ والعجز عن الإنتاج وعن العطاء. لأجل هذا، عجزت الزيتونة عن تنمية ذاتها وتفعيل قدُراتها وأضْحَت مع القاعدين. وهكذا، أصبح كلُّ كلام عن التّطوير داخلَ أسوارها، بمثابة صرْخة في واد أو بالأحرى، وكما يقول نجيب محفوظ " ثرثرة فوق النّيل ". لأن الثرثرة المعـرْبدة في روايته، كانت تعبيرا عن زمن الأزمة والهزيمة وعن النزعة الهروبية من الواقع، عبر ممارسات الإدمان.
إذا تحوّلنا إلى زمن "الثورة "، فإنّ الأوضاع لم تتغيّر. ويمكن التعبير عن هذه السلبيات العابرة للزمن داخل هذه المؤسسة المجازية، بلغة شعرية (واقعية وليست رومانسية)، يقول صاحبها:
" لم أدر حين وقفت على الأطلال .. ما الفرق بين جديدها والبالي "
ولا شك أن هكذا مؤسسة مردَت على السمسرات وأدمنت على الصفقات، وعاشت تحت الوصاية والابتزاز السياسي، عجزت عن أن تتحرر بذاتها من العُقـد التاريخية التي استقرت في العقل اللاوعي. وقد بيّـنَت التحاليل، أنّه من الصعوبة بمكان، أن يتخلص " المسؤولُ الأكاديمي" الذي يتسلّم مقاليدَ الزيتونة، من الوسْواس القهري ومن الصّور الذهنية التي تهْجس بطقوس الاستعباد والقمع .. ولهذا، لم تزد صدمةُ الحرية هؤلاء، إلا ارتدادا إلى مخزون العقل الباطن المشحون بالخبرات السلبية وبالاستبداد الرافض للديمقراطية والتشارك مع الآخر في صناعة القرار. وما زال الخفراء الأمنيّون القدامى، وقد ارتدوا عباءة الثورة، يتصرفون بعنجهية وصلف، وقد أُشْربوا في قلوبهم الفتنةَ وحبّ المكر والبغي وتسربلوا بالتـّقية والمخاتلة.
ولما كان ذلك كذلك، وقد، أضاعت الزيتونة البوْصلة، وتعسّر عليها إعادةُ تأهيل ذاتها، ورسْـمُ خارطة طريق لتحديد مسار علمي جديد، فإنه تعيّـن البحثُ عن حلول من الخارج، وإنشاءُ تصوّرات نظرية قابلة للتطبيق، لأجل إدارة الأزمة الحالية، ورفع التحديات الراهنة، والخروج من مرحلة الانكماش وتحديد ما يجب أن تكون عليه مرحلة ما بعد التّبعيّة والانهيار.
لا يستطيع الإنسان أن يختبئ وراء أصبعه، ولا ينفع دفن الرّؤوس في الرّمال والاقتداء بسياسة النعامة، حين يزداد منسوب التحدّيات ارتفاعا: هناك وقائع مأساوية تزعزع الأمن والعيش المشترك وتهدد نظام الحياة المجتمعية في تونس. لقد انبجس الرعب الايديولوجي حين تنوّعت الهويات الدينية واللادينية وتفجّرت التناقضات بشكل دراماتيكي وسقطت جميع الخطوط الحمراء، وصارت تـقضّ مضجع المجتمع المدنيّ. وكان غياب الزيتونة عن هذه الأحداث أمرا فاضحا. إذ الأصل أن يكون لها دور مفصليٌّ في إيجاد توازن علمي يكرس لفـكـر اللاّعصبية، ويؤسس لثقافة الاعتراف بالآخر.
نؤشّر بداءة، على أنّنا لا نصدر أحكاما ولا نوزّع اتّهامات، ولا نقول ما نقوله لأجل التّيْـئيس والاستسلام وإشاعة القنوط، وإنّما نتحدث عن المستتر وعن المسكوت عنه في جامعة الزّيتونة، لأجل التّنوير والبحث عن بُـقعة ضوء إيجابيّة. وكل كلامنا يتنزّل في إطار قراءة وصفيّة تحليليّة لبعض الظّواهر والسلوكيات الجامعية داخل فضاء هذه المؤسّسة التي انطمست صورتـُها في الزمن السياسي السابق ولم يُرفـَع ذكرُها في هذا الزمن الربيعي الذي ارتفع فيه سقفُ المطالبَات والمراجَعات، وازداد سقفُ الزيتونة، انخفاضا وغوصا داخل الرمال المتحركة.
ظلّت المنظومة الدينية التونسية جميعُها، تنوء بأحمال الماضي وعجزت عن الخروج من عنق الزّجاجة. والعبور الاستراتيجي إلى نمط العيش التّونسيّ الجديد. وقد تبيّن من خلال التّجارب السياسية الطّافحة بالخيبة والفشل والعدَمية، أنّ العقلَ الزيتونيَّ الّذي تستند إليه هذه المنظومة، عجز عن أن يكون عقلا سياسيّا. فالمؤسساتُ الدينيةُ ما تزالُ في نقطة الصفر، ولم تبْرَحْ سكونَها وكينونَـتها اللامتحَـركة. لأنها ما تزال كما هو العهد بها، جملةً من الأسهُـم الشخصية تخضع للرّبحيّة وللمضاربة في سوق المنافع والمكتسبات المادية. ولا شك أنّ هذه المضاربات والمتاجَرات، جعلت من المتخصّص في المعرفة الدينية رجلَ دين بالمعنى الانتهازي الكامل الّذي كان مهيمنا على أوروبا في القرون الوسطى، وكان سببا رئيسا في اندلاع الثّورة الفرنسية.
أمّا جامعة الزّيتونة التي افتقدت هيبتـَها العلميةَ وعجزت عن الاستجابة للمهمّات الجامعيّة الثلاث وهي التّعليم والتّكوين والبحث العلمي، وأحاطت بها الشّبهات من كل جانب، فإنّها خسرت ثقَـة المجتمع العلميّ، كما خسرت ثقة المواطنين، وكانت جامعة غير رشيدة. وقد ظلت بعد الانتفاضة، كما في الماضي، غائبة تماما عن المشهد العلمي واختارت سياسة النّـأي بالنّفس، أو سياسة النعامة ودفن الرأس في الرمال. وما ذاك، إلا بسبب ما تتخبّط فيه من فقر بيداغـوجي مدقع، وقوالبَ منهجية تقليدية، وتخلّف على مستوى البحث العلمي. لأجل هذا، صارت محلَّ تندّر ثقافي وسخرية فكريّة. وما تزال تتباعد يوما بعد يوم عن الحياة الاجتماعية وتزداد إخفاقا في التـّـأقلم مع نوعية المجتمع التونسي الجديد، وتعجز عن النطق بالحكمة في جــو الاحتقان السياسي المتصاعد.
لا يمكن أن تظل هذه الجامعة المعمورةُ، مغمورةً. وأن تظلَّ مرتعا لتحقيق المآرب الشّخصيّة ومسرحا للفوضى والمُناطحة من أجل الهيمنة والسيطرة والسلطة. وإذا كان مسلمو العالم شرقا ومغربا يَسْمُون عن الخلافات والانشقاقات، كلما استُهدف دينهم برسوم أو صور مشينة، فلعل هذه المؤسسة التي أَلـْغت كل تعاطف مع القضايا الدينية بما في ذلك الإنكار والتنديد والشجب كشكل من أشكال المشاركة الرمزية، لن تتخلى عن المواقف المتنابذة والمواقع المتصادمة وإنْ تـَهدّم المسجد الأقصى أو نـُـقـضَت الكعبةُ حجرا حجرا. ولهذا، حين يدافع الناسُ عن المقدسات، يتوارى المسؤولون عن الزيتونة ويُحْجمون عن الكلام، ولا تسمع لهم همسا.
في ذات السياق، لسنا بوارد الدخول في خصوصيات وزارة الشؤون الدينية. فتلك منطقة تقع على رمال متحرّكة هي الأخرى، ولا يعلم الناس عنها شيئا سوى كونها تنشّـأت على الأجندات والحسابات الخاصة والعامة، وعلى التسويات وتبْييض الشخصيات ، ولا تـُفتح أبوابُها أمام مختلـَف العقول والثقافات. لذا لا يدخلها إلا المهندسون والخبراء بالحسابات والتسويات.
ونحن وإنْ كنّـا لا نعلم شيئا عمّا يمكن أن يوجد في داخل هذا الصندوق الأسود، إلاّ أنّنا، وبإزاء تهافت الخطاب الديني الجديد، وتفلـّت المساجد من حضن الجمهورية ونفور الناس من بيوت الله، نستحضر المطالبات المدنيّة التي تتمنى أن تـُعاوَدَ مراجعة الوظيفة الفعلية لدُور العبادة، وأن تتحقق أدنى الترميمات التي تحقـّق الاستقرارَ الروحانيَّ داخل دور العبادة. وما زال المواطنون يتساءلون عن استراتيجيا الصّمت المطبق وعدم التّحرّك لضبط الانفلات، ولو بمتابعة روتينية، لأبسط الأمور مثل: تنظيم أنشطة المساجد الّتي صارت تـُـدارُ بناء على نظام الغلبة وسياسة الاحتكام إلى القوة. أو متابعة الحالات التبشيرية الراديكالية التي يتولاها بعض الإسلام الحزبي. وكذلك الوقوف على أنشطة الدّعاة الـّذين صاروا يتوافدون على البلاد من كلّ حدب وصوب دون أن تـُعرف لبعضهم هويّة ولا مقام علميّ. وكذلك النظر في عمليّات التّمويل الّتي تـُنـْفـَق لأغراض ايديولوجية داخل المساجد، دونما علم بمصادرها وظروف حضورها في هذه الفترة الاقتصادية القاسية من تاريخ البلاد.
وبما أنّ النّاس لا يفهمون سر اكتساح بعض التيارات المشبوهة للمساجد تحت عنوان : أنا على صواب وغيري على خطأ، فإنّ التعليقات(الموالية والمناوئةَ جميعها)، تدور حول سرّ جلوس وزارة الشؤون الدينية على الرّبوة، لأن" الصدمة الأولى " قد انتهت. والصبر عند الصدمة الأولى جميل، لكنه لم يبدُ في الأفق حراك رسمي يوقف الكارثة. اللهم إلا مقولات تائهة تهدف إلى الاستهلاك السياسي، كما يقول المعلقون. لذلك، تكثـّفت الأسئلة الاجتماعية باحثة عن حـل مفقود.. هل خسرت المؤسسة الدينية الرسمية هـيْـبَـتها في عصر التحرر الوطني، كما يقول البعض ؟ أم أن الجلوس على الربوة هو من قبيل صبّ الزيت على النار ، كما يرى آخرون ؟ أم هي الفوضى الخلاقة التي دعت إليها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006، يحلل غير هؤلاء وهؤلاء ؟ أم أن الأمر يتعلق بمصالح خاصة وأجندات أجنبية مشبوهة يردد آخرون ؟
ويرى بعض المتابعين، أن العقل الزيتوني ليس عقلا سياسيا، وأن العقل الدّعَـويَّ ليس عقلا مؤسّساتيا. إذ الأوْلى للذي يشتغل بالدّعوة، أن يقصُـر أمرَه على ذلك، حتى لا يقع في الاحتكار والإقصاء واستغلال النفوذ، ولئلاّ تـُهْدَرَ أموالُ المجموعة الوطنيّة في خدمة المصالح الخاصّة. لكنّ الأمر قد لا يبدو بهذه الصورة الدراماتيكية. لأن مسألة إهمال المساجد، قد لا تتعدى المسايرةَ لثورة المشاعر، أو تهدئة للخواطر ؟ أو مجرّدَ استجابة للأمر الواقع. وهذا يعني اختيارَ الحل النّاعــم. وهو التعاملُ مع النتائج والوضعيات الجاهزة وعدمُ التّعاطي مع الأسباب والمسبّبات. وهو مستوى من الضعف السياسي قد لا يشكّـك في صدقـيّـة الأهداف، وإنّما يشكّـك في إمكانيّة التّدارك.
كانت وزارة الشؤون الدينية في الماضي، تقتصر أنشطتُها على جملة من الطقوس ، مثل تعميد مواسم الحج والزيارات ( العمرة، الأولياء والأضرحة) وتوزيع البركات عند افتتاح مساجدَ يبنيها المواطنون بأموالهم الخاصة، أو الإعلان عن برامج بحْث، ومشاريعَ، وأنشطة وهميّة لا مجال لتنزيلها في الواقع المعيش. ونحن ننزّه الساكنين الجددَ من الوقوع في هذا الشّراك، خاصة وقد انتهى عهد الستائر الحديدية، وصرنا في زمن المطالبات والمتابعات والمحاسبات. ونتمنى لهذه الطبعة الفقهية الثانية التي تصل إلى موقع القرار السياسي، أن يحالفها النهوض تحت عنوان : إنّ الفقهاء إذا دخلوا قرية أصلحوها..
في هذه الأثناء، حدثت ضجّة في تونس جلبت الأضواءَ إليها. وهي ظهور مشْيخة جديدة للجامع الأعظم (جامع الزّيتونة المعمور) بعد انقطاع استمرّ نصف قرن من الزّمان. وسواء توافقنا معها أو لم نتوافق، فإنّها حركة ملأت الساحة وأظهرت حرَفيّة في مجال البناء والاستقطاب والتّعامل القانوني، وغطّت على ما سواها من الأطر الدّينيّة الرّسميّة. ونحن لا نرى سببا لرفض استقلاليّتها إداريا وسياسيا. بل إن لهذه المشيخة، إن شاءت، أن تستقل اقتصاديا، وتطالب باسترداد أوقافها المسلوبة منها، إليها.
لكن، ما يكون لأيّ حركة أن تـُحدث قطيعة إبستيمولوجيّة أو قانونيّة بينها وبين المؤسسات الرسمية أو أن ترفض واقع العيش المشترك. إذ لا يـُفلح قوم يـُسقطون الخطوط الحمراءَ ولا يكترثون بمنطق الدّولة ولا بقوانين الحضارة.
إنّ هذه اللّحظة المفصليّة من تاريخ تونس، لا تقوم إلا على رأب الصّدع وتوحيد الأجهزة الدّينيّة. وهذا لا يكون إلاّ على أساس الإخلاص للمبدإ، والارتكاز على الأمانة العلميّة، والإحساس بالمسؤوليّة الوطنيّة تجاه الشّعب الّذي اختار النموذج الديني نمطا للحياة بعد انتفاضة 14 جانفي 2011. إنّ تونس في حاجة إلى تنوير دينيّ وإلى ملاء معرفيّ، لا يكون ، ما لم تتظافر على إنجازه جميع القوى الدّينيّة في البلاد . وهي تلك الّتي أعرب المجتمع المدنيّ على الاعتراف بها. أعني وزارة الشّؤون الدّينيّة ودار الإفتاء، وجامعة الزّيتونة، والمجلس الإسلامي الأعلى، ونضيف إليها مشيخة الجامع الأعظم. إذ من الضّروريّ لهذه القوى المنتشرة في البلاد كأنها جزر تفصل بينها حواجزُ مائيّة هائلة، أن تتجمع ضمن مشهد موحّد، وأن تنصهر داخل منظومة تمثـّلها جميعا. ونحن نرى أنّ المجلس الإسلامي الأعلى، إذا أعيدت صياغته، (ولم تقع فيه تعيينات تحت الطّاولة تنبع من العواطف الخاصة والولاءات الحزبية والانتماءات المناطقية، كما هو حال أهل تونس بمختلف ملـلهم ونحَلهم)، يكون السّلطةَ العليا، والإطارَ الحاضنَ والممثـّلَ لهذا التجمّع الدّينيّ الجديد.


منذ أن سقط النّظام السّـياسي السابق، لم نسمع أنّ جهة معيّنة، صرّحت بالعزم على إنجاز إصلاحات ما، داخل هذه الجامعة التي تستعصي على كل إصلاح. وإن كانت مفردة إصلاح ، لم تعـد تُغْري أحدا. لانّ التقاليد السّياسيّة الماضية، دأبت على أن يكون فعل الإصلاح مجردَ تدابيرَ مبعثرةً تقوم على تحريك الغرائز والمشاعـر الدّينيّة، أو مجموعة من الرسوم والبيانات والمناورات الافتراضيّة، أو جملة من المساحيق والرّوتوشات، تـنير الوجه مساء لتعاود تلطيخه وإظهاره في أبشع صورة صباحا. والحقَّ أقولُ، إنّ الإصلاح إذا أُفرغ من مضمونه، وكان مجرّدَ ممارسة للسلطة، فإنّه يكون مرادفا للعقم السياسي وعنوانا على انسداد الآفاق الإبداعيّة.
إنّ الرّؤية الاستراتيجية لجامعة الزّيتونة، تتطلب أكثر من الإصلاح. تتطلب تجديد هذه الجامعة، من جهة ما هي مؤسّسة مجازيّة. ونقصد بالتجديد تفكيك ما هو كائن وإزالته من الوجود تماما، ثم إعادة إنتاجه وبنائه وفقا لمقاييس منهجية واضحة ومحددة المعالم.
وقد تبيّن لنا، في إطار التّوصيف وعرض مكامن الضعف، أنّ ما أعدمَ زيتونة – الحداثة وكسَر عمودَها الفقري أمران:
1) سقوطها كمؤسسة أكاديمية : لم تتوحد آراء أصحاب المسؤوليات الأكاديمية في الزيتونة على شيء، كما توحدت على فهم غير مدنيّ لما تعنيه المسؤولية الإدارية. فقد سكن في مخيّلة أصحاب هذه المسؤوليات، أنّ الزيتونة، مؤسسة وقعت خصخصتها والتفويت فيها لمن يتولى الأمر فيها. وأنّ على الذين يمسكون بشؤونها، أن ينعموا بحياة وردية ورومانسية. فهو عصرهم الذهبي ..لهم فيه من كل الثمرات وهم فيها خالدون. وبسبب هذا الفهم اللاعقلاني، اختُرقت القوانين ونُـقضت القيم الإنسانيّة، وصارت هذه الجامعة تخضع لما نسميه في الزيتونة تندّرا: نظام المزرعة.
هكذا، تنقلب الأمور حين يصير المحكوم حاكما. أو حين يصير العبد سيدا، بحسب جدلية السيد والعبد (المهووس نفسانيا بحب السيادة والهيمنة). وعلى الفور يتمظهر المكبوتُ، ويبدأ "المسؤول الأكاديمي" (رئيس الجامعة أو مدير المعهد) في المطالبة بحالة إذعان جماعي لعظمته كمسؤول. لأجل هذا الجنون – جنون السّلطة، ظلـّت القوانين مُغَيّبَة، تماما كغياب العقل الدّيمقراطيّ، وحـلـّت ثقافة الهزيمة، بدلا من ثقافة الانضباط، وأُقـْصيَت الأصواتُ الحرّة، وأُلغيَت المشاركةُ في صناعة القرار. وصار النّقد التنويري هجوما على الشرعية. فانْـتـَفـَت بذلك كل الموازين الجامعيّة والقيم الأكاديمية. ودُكّـت المسؤوليات دكـّا ونُـسفت كل الشرعيات، ما عدا شرعية " المسؤول الأكاديمي " الّذي يجب أن تطوف حوله الأفلاك.
وسأذكر نموذجين يشهدان بهذا السّقوط المؤسساتي الرّهيب :
أمّا النموذج الأول، فيتعلـّق بالمجلس العلمي الّذي يعتبره القائمون على الزّيتونة، والرّافضون للفصل بين السّلطات، مجلسَ إدارة يمتلكون فيه أكثر من تسعة وتسعين بالمائة من الأنصبة. ولهذا، لا يجتمع إلا بحسب حاجيات " المسؤول الأكاديمي"، لا بحسب ما تضبطه القوانين. وعلى سبيل المثال، فإن الفصل 32 من القسم السادس من الباب الثالث من النصوص الأساسية يـنــصّ على أن اجتماع المجلس العلمي ينعقد مرة كل شهر أو بدعوة من أغلبية أعضائه (..) أما وأنّ مجالس الزيتونة، لا تلتئم إلا مرة كل ثلاثة أشهر أو أربعة، فإن هذا، يدل على مدى الكساد العلمي وغياب الحوار وانعدام المشاريع العلميّة. كما يدل على مدى الإقصاء الّذي تعيشه هذه المؤسسة التي لا يعترف القائمون عليها بنظام العمل الأكاديمي وبضرورة الشّراكة الإداريّة وتقاسم المسؤوليات. لأن المجلس العلمي، بحسب الفصل 16 من الباب الثاني من النصوص الأساسيّة، يساعد المدير أو العميد على تسيير المؤسسة وكل ما يتعلق بتنظيم الدروس وبرامج التكوين والتربص وبرامج البحث.
ومن مهمات المجلس العلمي، أنه يتابع في إسناد المهمات والمساعدات والمنح، كما ينظر في كل سنة في مشروع ميزانية المؤسسة بعد اطلاعه على إنجاز ميزانية السنة المنقضية ويقترح برنامج توزيع الميزانية، بحسب الفصل 27 من الباب الثالث (علما بأن السؤال عن الميزانية في الزيتونة ممنوع. والسؤال عنها بدعة. وكل بدعة ضلالة). ويبقى القانون واضحا وصريحا. وهو أن المجلس العلمي شريك فعليّ في الإنتاج والانجاز وصناعة القرار. لكنّ هذا المجلس الذي انتـُزعت منه كل الصلاحيات وأضحى جــثة هامدة، لم يبق له من دور، سوى التلقي واستقبال التعليمات، والانسجام مع الجوقة ومع المايسترو الّذي يديرها ويضبط إيقاعها.
أما النموذج الثاني، فيتعلق بالأقسام. حيث أن مدير القسم يتحمل المسؤولية العلمية والبيداغوجية داخل المؤسسسة، ويتابع مجريات البحث والتكوين ويسهر على تنفيذها. بل إنّ الفصل 38 من القسم السابع من الباب الثالث من النصوص الأساسية، يصرّح بأنّ مدير القسم يُستشار من طرف المدير أو العميد في إطار هذه التخصصات. لكن هكذا مسؤوليات، تمثـّل صدمة لما نسميه داخل الزيتونة، عقلية المزرعة ونعني بذلك العقلية الغوغائية التي يتعامل بها أصحاب المسؤولية الإدارية مع القانون.
وقد تقرر داخل هذا الصّخب الهستيري، أن رئيس القسم الـّذي ينتخبه الأساتذة، إمّا أن ينخرط في الأوركسترا، فيحصل على منحة شهرية وكفى الله المؤمنين القتالَ، وإمّا أن يغامر ويمارس حريته الأكاديمية وعهدته البيداغوجيّة ويرفض أن يكون دمية تـُوَجّه بالريموت كنترول (التحكـّم عن بعد)، وأن يكونَ خادما للمشاريع الشّخصيّة لمن يمسكون بمقاليد المؤسّسة. ومعلوم، أن موقف الإباء والكرامة هذا، يعتبر في ذاته، تجاوزا لكل الخطوط الحمراء، واعتداء على حراس المزرعة. عندئذ يبدأ المدير أو رئيس الجامعة (أحدهما أو كلاهما) معـركة كسر عظم. وبإشراف سام، توضع كلّ السيناريوهات التـّعبوية والخطابات التحريضية، ويُستَنْـفـَـرُ قوم تـُـبّع، وهم المتسلقون والمستفيدون من لحظة الانحطاط القائم، ومن التبعية للنظام الجامعي المتسلط، الـّذي يعدّ هؤلاء لأجل الدّفاع عنه وحمايته في مثل هذا اليوم. وهو يوم الكريهة ويومُ الملحمة الّذي تُستحل فيه كل الحرمات وتـُهتـَك عنده كل الأستار.
لقد سبق القول، إنّ الزيتونة حصلت ضمن ترتيب الجامعات العلمية، في تصنيف شانغاي 2010 لأحسن الجامعات العالمية على المرتبة 7791 (ضمن عشرة آلاف جامعة). وللبيان، فإنّ الموقع المتقدّم الّذي تَحظى به الجامعة من هذا التّرتيب، يرجع إلى معايير أساسيّة تـُصنف بموجبها مؤسسات التعليم العالي. من أهمها جودة التّعليم وحجم الأبحاث الّتي تُنشَرُ في المجلاّت العلميّة. الموضوع إذن، يرتكز على العلم وعلى المنهج وليس على الهروب من مسؤولية النهوض العلمي بالجامعة، والدخول إلى سوق المزايدات والمناقصات لشراء أرض أو لبناء طابق أو لتمرير الطلاء على جدران المؤسّسة، وما شاكل ذلك من مختلف أصناف المقاولات التي تتحول إلى مادة للدعاية والابتزاز. فالأكاديميّ ليس مقاولا أو متعهّد بناء، والجامعة ليست شركة مقاولات (أو مركزا للتصدير والتوريد وبيع البضائع). وهذه المسائل تـُـوكَـلُ إلى أهلها ولا تكون بديلا عن المهمّة الأساس الّتي توجد لأجلها الجامعة. وهي المعرفة والمنهج وتنوير الحياة الاجتماعيّة.
ونحن نريد أن نمثـّل لهذا العطب البنيوي، من خلال مقارنة صارخة تفرّق بين الإبداع والكساد الذهني. والمثال يتعلـّق بجامعة الصوربون الفرنسيّة التي تأسست عام (1250 م). وقد كانت مدرسة دينيّة خالصة تخضع لنظام التعليم المدرسي الذي كانت تديره الكنيسة خلال القرون الوسطى (476 – 1453)، ثـمّ تطوّرت وتنامت وملأت شهرتـُها الآفاقَ، فحققت بذلك، حضورا في الزمان وفي المكان. وبالمقابل، فانّ الزّيتونة الّتي تأسست عام (763 م)، كانت خلال القرون الوسطى- الغربيّة، منارةً عالميّة للمعرفة، ثم ارتدّت في هذا العصر، (عصر الحداثة) لتـتهاوى إلى نلك الفترة المسماة مرحلة القتامة والظلامية ، فغابت بذلك عن الزمان ولم تحقق لنفسها سوى حضور باهت في المكان.
2) الأمر الآخر، هو أنّ ترتيب الأولويّات يبدأ من تقييم أنماط التـّدريس ومعالجة أزمة المعرفة وعياء المنهج ومشكلة الكفاءة العامة والكفاءة الفرديّة. وذلك وفقا للمعايير الأكاديمية والمقاييس الجامعيّة. لذا، يتعيّن تطوير وسائل التدريس وإعادة الاعتبار إلى اللغتين الفـرنسية والانجليزية لإخراج الزيتونة من الانكماش والرّاديكاليّة، إلى مشروع إنسانيّ أكبر.
في ذات السياق الانفتاحي، يتعيّن تـفعيل المنظومات الإعلاميّة والتدريس الافتراضي ضمن سقف الجامعة الّتي تطالـَب بتوفير المستلزمات الضّروريّة لتوفير الإمكانات التكنولوجية المفقودة داخل الفضاء الجامعيّ ذاته. كما أنه لا مناص من حجب التباين القائم بين الذات والآخر- المختلف ثقافيّا وفكريّا. وهذا لا يتسنّى، إلاّ عبر تجسيد الشراكة الفعلية مع مؤسسات محلية وعربية وعالمية لأغراض علميّة خالصة ووفقا لنظام الشفافية. ولا يكون تدبير أمور هذه الشّراكة في الظّلام أو داخل الغرف المغلقة، لأجل الاستئثار بــ " العشاء المقدّس "، واقتناص اللّحظة الموقوتة لقطف منافع استثمارية واكتساب مزايا اضافية . وهي مزايا ساذجة تدور عادة، حول استحصال تذاكر سفـر " سياحيّة " يستخدمُها القابضون على مواقع القرار في معاملات ملغومة، أساسها الاصطفافات والارتشاء والمساومة والإقصاء . وكأن الجامعة ليست ملكا للمجموعة الوطنية ولا للصالح العام. وهذا في عرف القانون يسمى" فسادا". لأن الفساد هو استخدام النفوذ لتحقيق مصالح ومكتسبات خاصة. وبما أنّ الزّيتونة عُرفَت بكونها وكالة أسفار وحديقة خلفية لمن يتولّى مقاليدها، فلا بدّ من انتشالها من مستنقع النفعية الذي يعزز ذاته بالاستبداد والانتهازيّة والقمع الممنهج.
المسؤولية العلمية لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية. لذا، فإنّه يتعين على " المسؤول الأكاديمي" (مديرا كان أو رئيسا للجامعة) أن يرعى كرامة الجامعة، وأن يدعم البحث العلمي، ويعمل على توفير الإمكانات الضرورية لإنجازه، ووضع خطط لتكوين المدرسين. وتتوسع هذه المسؤولية لتأطير الطلبة من خلال متابعة قوانين التوجيه والتخرج والنجاح والاندماج المهني. أما إذا كانت مهمة " المسؤول الأكاديمي" ، عرقلة البحث العلمي أو تأليب الطّلبة لإفساد هذا الدرس أو ذلك، باعتبار هذا الأستاذ أو غيره يمثل شخصيّة استقلالية أو وجودا أكاديميا نوعيا، فذاك شأن زيتوني معقد، يتطلب تغييرا استراتيجيا. إذ ليس ثمة مخابرُ خاصة لإجراء فحوص على الدم أو على الذهنية، للتأكد من السلامة قبل مباشرة إسناد مسؤولية ما، إلى بعض الكائنات البشريّة


أمام هذا المنعطف التّاريخيّ الخطير، وبإزاء المشكلات الملحة والأخطار الجديدة التي تـُحْـدق بجامعة الزيتونة لا نرى لأمر الزيتونة سوى ثلاث خيارات :
الخيار الأوّل: إدارة ائتلاف زيتوني .. تعيينات عاجلة ، مؤقـّتة.
إذا أردنا أن تسترجع الزيتونةُ صورتـَها المؤسَّساتيّةَ وأن تستردَّ عافيتـَها وتوهُّجَها الفعليَّ، فإنّ هذا، يتطلّبُ إحداثَ انقلاب بنيويّ داخل هذه المؤسسة، ويحتّمُ اتّخاذ خطوات حازمة وجريئة وملزمة من أجل الإطاحة بسلطة الخطأ، وإلاّ فإنّ هذه المؤسسة التي تهاوت هيبتُها، ستظل تسبح خارج التيار وتغرد خارج السرب. وهذا يعني، أنّه لا بد من اتخاذ قوانين استثنائية تبدأ بالتخلي المؤقت عن التقليد الحضاري الدخيل على الأعراف الزّيتونية. وأعني بصفة خاصة وأحادية، تلك الانتخابات المثيرة للجدل، والغريبة عن الطبائع الزيتونية. إذ لا يجوز إقامة معمار فنّي جميل، فوق بنية تحتيّة متداعية. خاصة وأننا نرى، أن رئيس الجامعة، يجب أن يفوز بأغلبية مطلقة، لا بفارق صوت واحد أو صوتين، كما حدث في جامعة الزيتونة.
والواقع أن هذه الانتخابات الكارثيّة، سحَرت أعين الناس واسترهبتهم وجاءت بإفـك عظيم، ولم يكن لها من أثر في الزيتونة، سوى أنها عمّـقت الفجوةَ والتـّفكـكَ، وأضافت شروخا إلى جسدها المتآكل. لقد كانت فعلا مناسبة استفزازيّة لتقـطيع أوصال هذه المؤسّسة المجازيّة، وتهشيم ما تبقى فيها من روابط هـشّة. حيث خلّّّـفتّ جوّا من التـّشنّج لا تندملُ آثارُه ولا تتبلسمُ جراحه. ودليل ذلك، أنّ الفائزين الجددَ، رفضوا التوقيعَ على وثيقة تصالح أُعدت لهم، ووافق عليها المجلس العلمي. وذلك لأجل استيعاب حالة الاحتقان القائمة، ولتجـسير الفجوة مع الجامعات الأخرى، ومع مؤسسات المجتمع المدني.
وسبب هذه السلوكات اللامسؤولة، أن أجواء الانتخابات المذكورة، قامت على تكتلات عاطفية وتحشّدات مصلحية. وقد أُطلقت النار خلالها، في كل الاتجاهات، وتراشقَ الباروناتُ والقراصنةُ، مختلفَ الشائعات الشريرة والأراجيف الهستيرية، ولم يَعرض أحد من المتقدمين إلى رئاسة جامعة الزيتونة، مشاريعَ علمية ولا برامجَ فكرية، ولم تُطرح قضية التنمية الثـقافية وبناءُ جيل زيتوني علميّ وبريء، يكون منزَّها عن تركات الماضي، ومتباعـدا عن الأحقاد والضغائن التاريخية.
ومثل هذه الانتخابات القيْصَرية التي خاضها أفرادٌ غير موهوبين، لا تُـنتج، في مثل هذا الوسط المشحون، إلاّ مزيدا من التغوّل والتجاوزات الإداريّة والانفلات القانوني. لأنّها لا تقدّم حلولا، وإنّما تَستبدل حرسا جديدا بحرس قديم، وعقولا مترهّلة بأخرى بلغت نهاية النـفق وتجاوزتها اللحظة الزمانية المهيمنة. وهذه الحالة اللاطبيعية، لا يمكن مواجهتها، إلاّ من خلال تشريعات عاجلة وخاصّة بالزيتونة. والناتج، أن العمل بنظام الانتخابات يتعيّن تأجيله في هذه الجامعة، إلى موعد لاحق، يُعاد فيه بناءُ هذه المؤسّسة المنكـوبة. وحتى لا يكونَ هذا المسارُ قفزة في فراغ، نقترح ثلاث بدائل:
أ – البديل الأول: هو أن يتمّ تعيين مجلس جماعي لرئاسة الجامعة ولإدارة المعاهد الثّلاثة، يتكوّن بطريقة ائتلافية، ويستجمع جميع المكوّنات الرئيسية داخل المؤسسة الزيتونية.
ب – البديل الثاني: إحداث تعيينات مؤقـّـتة من خارج الزّيتونة (رئيس الجامعة ومديري المعاهد). وذلك وفقا لأمور ثلاثة :
*- أن يكون المعيَّـنون من خارج المؤسّسة الزيتونية، ومن الكوادر الديّنيّة الـّذين لهم دراية بالأعمال السياسية والإدارية، أو أن يكونوا مزيجا من الكوادر الدينية والإدارية والسياسية.
*- أن يكون اختيارهم بالتـّوافق مع الداخل الزّيتوني.
*- وأن يكون ذلك لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.
ج - البديل الثالث، هو أن يعيَّـن مجلس لرئاسة الجامعة والإدارات الثـّلاث بالاشتراك بين
أطراف من الداخل ومن الخارج.
وفي كلّ هذه الحالات، يتوجّب التّخلـّي العاجل عن حالة الانتخابات القائمة الّتي أظهرت إخفاقا ديمقراطيّا عظيما، وكرّست سقوط المؤسّسة المترنّحة تحت الضربات المستمرة من الداخل.
د- ضرورة تكوين مجلس استشاري على غرار ما هو قائم في المؤسسات العلمية، ويتكون من مديري وحدات البحث وممثلين عن إطار التدريس(..)، بحسب الفصل 29 من القسم السادس من الباب الثالث (النصوص الأساسية)، الذي يتطلب تحويرا يتلاءم مع الوضع الطارئ في الزيتونة.
الخيار الثاني : حوار وطني حول الزيتونة : كانت الزيتونة على مر التاريخ، ضمانة وطنية أساسيّة ورمزا للوحدة الاجتماعية، ولم تمارس طوال مسارها الوجودي، سياسة النعامة لتدفـن رأسها في الرمال وتصُـمَّ أذنيْها عن محيطها، كما تفعل راهنا. ولا شك أن تونس الّتي تعيش لحظة انتقالية مفعمة بالغموض والحيرة والتوجّس والاحتقان السياسي، تتساءل عن جدوى وجود جامعة الزيتونة ما لم تنتج معرفة ولم ترتق إلى مستوى الفعل في الواقع، وما لم يكن لها دور في تفكيك الفتن المذهبية الدخيلة، التي صارت تهدّد الوحدة المجتمعيّة، وما لم تقم بتنظيم الفوضى وإدارة الأزمات الفكرية الحالية وتعديل المفاهيم السائدة والأفكار اللاّعلمية الّتي تـُلغي الآخرين وتؤصّـل للكراهية. إنّ هكذا مؤسّسة ستكون وزرا يُثـقـل كاهل المجموعة الوطنية. وإذا كان دورها سينحصر في تلقين معلومات تكرارية وبناء عقول استهلاكية وسكونية، فإنّ غيرها من الجمعيّات وما إلى ذلك من أنظمة التعليم المساجديّة، يمكن أن يقوم مقامها في تقديم المعرفة الدينية الخام، وينتفي بذلك وجود الزيتونة.
وما دامت هذه المسائل تـَـشغـَل الرّأي العامَّ، فإنّه يتعيّن عقد حوار وطنيّ حول جامعة الزّيتونة، حاضرها ومستقبلها. لأنّ أمرَ الزّيتونة ما دام مرتبطا بالهوية، فإنه يهُـمّ المجتمعَ المدني بمختلف توجّهاته، ومؤسساته ومنظماته ومكوناته الجمعياتيّة. ولا شك أنّ هذا الحوار، يهـمّ شباب الثورة وسائرَ الأطياف الاجتماعية التي يحـقّ لها إبداء الرأي والإعانة بفكرة أو قول أو طريقة ما، في التعامل. هكذا، يمكن أن يعود للواقع المحليّ استقراره، ولجامعة الزيتونة شخصيتَها المفقودة.
الخيار الثّالث: ازدراء الزّيتونة. وهو أن تعمد الجهات التي بيدها الحَـلّ والعَـقد، كما فعل النّظام السّياسيّ السّابق، إلى سياسة النّأْي بالنّفس والتّملـّص من المسؤوليّة وتجاهُـل هذا الوضع التّراجيدي الّذي عليه جامعة الزّيتونة. وهذا لا نراه من الصّوابيّة في شيء. ولن يكون له من معنى، سوى نبذ الشّأن الدّينيّ مرّة أخرى في هذه البلاد. إذ لا مجال أن تظل الزيتونة التي فقدت مصداقيتها أمام المجتمع المدني وأمام الرأي العام العربي والعالمي، على هذه الحالة المزرية وفي هذه البيئة المتردّية، وأن يستمرّ هذا الوضع الكارثيّ، فتبقى مسرحا للإيديولوجيّات واقتناص المصالح لدى رجال الأعمال والأموال والجمعيّات الماليّة في الداخل والخارج.
ولا شكّ أنّ المسالك النّفعيّة الّتي ظهرت بعد انتفاضة 14 جانفي 2011، مثل التسويق للذات والتـّـزيّي بلـَبوس التّـقوى، وإبداء التّديّن المظهري، وإظهار طقوس الولاء السياسي، والتـّخشّع الاستعراضي، وما شاكل ذلك، هي أساليب تضليليّة توحي إلى النّاس زخرف القول غرورا. ولا شك أن هكذا ممارسات مغشوشة، ليس لها من فعل سوى تكريس ثقافة الهزيمة، وإعادة إنتاج أنماط من الوعي المعلـَّـب الّذي أهدر الروح الأكاديمية ومزّق وحدة المؤسسة وأجّج القطيعة بين أبناء الزّيتونة في الزّمن السّياسي الماضي. وهو أمر يتكرر تحت أقنعة وعناوين دينية جديدة.
أعتقد أنّ ترميم العلاقات الاجتماعيّة يبدأ من تجفيف ينابيع الفتنة واحتواء الأزمات الحالية والعمل على تسوية وضعية مؤسّسة الزّيتونة، لتتكافأ مع نظيراتها الجامعية الأخرى في الداخل والخارج، وتنخرط في المشروع الحضاري الذي تسعى تونس – الجمهورية إلى تجسيده في الواقع الجديد.
وهنا سنكون بإزاء أمرين، إمّا أن نؤْثر القفزَ على هذه الحقائق ونتجاهلـَها، وهذا سيكون موافقة ضمنيّة على هذا التّوجّه العدميّ الّذي هو إفراز من إفرازات الماضي، وإمّا أن نعمد إلى عمليّة جراحيّة حاسمة تعيد إلى الزّيتونة " روحها المستتر ". فإن لم يكن، وظلت الأمور على ما هي عليه، فإنّ وجود هذه المؤسسة وعدمَها سيستويان. إذ الواقعيّة والموضوعيّة يقضيان، إذا استيْأس الناسُ وظل هذا حالُها، أن يكون الحل حلـَّها. اللّهمّ إلاّ أن تظلّ، كما في الماضي، مجردَ صورة رمزيّة لتونس " المسلمة " ووجهها السياسي المراوغ. وإذا كان ذلك كذلك، وآثرت الجهات المسؤولة تركها، كشكل سياسي، فالأولى أن تـُجْـتـَثَّ من وزارة التعليم العالي وتـُـلـْحَقَ بوزارة الشؤون الدينية، لتكون كالجمعيّات الخيرية والمنظمات الأهليّة. أو أن تكون مركزا للتّعليم التّـقـليدي.
خالص القول، إنه لا مناص لجامعة عريقة كالزيتونة ذات التّاريخ النّاصع، من أن تحمل رسالتها أو تستقيل. وبمعنى آخر: أن تكون أو لا تكون.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tafkir.yoo7.com
 
جامعة الزيتونة إلى أين؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تفكير :: تفكير-
انتقل الى: